محمد حسين علي الصغير

174

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

بالنعمة حتى انتقم منهم ، فمكث ما وعد اللّه ، وتلاشى ما جمع الناس ، وفي هذا إنذار لمشركي مكة ، بما سيحل بهم لو استمروا على تكذيبهم ، وتطمين للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم بما سيئول إليه أمره ، وعرض لتأريخ الشعوب فيما مضى . « فإن قيل : لم بعث اللّه الأنبياء مع علمه بأنهم يستهزءون بهم ولا يؤمنون عنده ؟ قيل : يجوز أن يكون قوم آمنوا وإن قلوا . وإنما أخبر بالاستهزاء عن الأكثر ، ولذلك قال في موضع وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ « 1 » ، وأيضا فكان يجوز أن يكون لولا إرسالهم لوقع منهم من المعاصي أضعاف ما وقع عند إرسالهم ، فصار إرسالهم لطفا في كثير من القبائح ، فلذلك وجب وحسن ، على أن في إرسالهم تمكينهم مما كلفوه ، لأنه إذا كان هناك مصالح لا يمكنهم معرفتها إلا من جهة الرسل وجب على اللّه أن يبعث إليهم الرسل ليعرفوهم تلك المصالح ، فإذا لم يؤمنوا بهم وبما معهم من المصالح أتوا بالقبائح من قبل نفوسهم ، والحجة قائم عليهم » « 2 » . وإذا كان الأمر كذلك فقد استحقوا العقاب بعد قيام الحجة عليهم لذلك عقبها تعالى بقوله : فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ( 8 ) وهذا اخبار منه تعالى بما نزل من الهلاك بمن هم أشد فتكا وبطشا وقوة وصولة من هؤلاء المشركين ، والدلالة الايحائية في الآية تجسيد هذا الاخبار لهم بأنهم اتخذوا المنهج نفسه في التكذيب للرسل ، فليتوقعوا أن ينزل بهم من العذاب ما نزل بالسابقين ، فكثيرا ما أرسل اللّه رسله إلى الأمم الغابرة كما أرسل محمدا صلى اللّه عليه وآله وسلّم إلى العالم . وكلما شق نبي طريقه في الدعوة إلى الهدى جعلوه غرضا لسهام الاستهزاء . وهؤلاء القوم كأولئك الأقوام فما ذا يتوقعون إذن ؟ إنه الإنذار الصارم بالافناء وتعجيل النقمة وعذاب الاستئصال « 3 » .

--> ( 1 ) هود : 40 . ( 2 ) الطوسي ، التبيان : 9 / 183 . ( 3 ) ظ : المؤلف ، الصورة الفنية في المثل القرآني : 279 .